محمد أبو زهرة

71

المعجزة الكبرى القرآن

وأذكر أن نقاد العرب كانوا يستنكرون بيت امرئ القيس الذي يقول فيه في معلقته : أغرك منى أن حبك قاتلي * وأنك مهما تأمرى القلب يفعل فقد قالوا أن البيت لا يصدر من عاشق برح به الحب ، وأحس بلطف العشق ، وقالوا : إن الغانية إذا لم تعتز بالحب ففيم تعتز ، كأنه يقول لها : إن كنت مغرورة بحبي فإني تاركك ، وهكذا ، وما ذلك شأن المحب اللهج . 42 - هؤلاء الذواقون للبيان الذين مرنت أسماعهم ، وألسنتهم على القول البليغ وإدراك مراميه ، يستوى في ذلك أهل المدر وأهل الوبر ، فأهل الوبر استفرغوا ذكاءهم في تعرف الكلام البليغ ، والترنم بالشعر رجزه وقصيدة ولم يكن عندهم ما يزجون فيه وقتهم إلا سماع الكلام الطيب ، وترديده ، وروايته ونقله . ويرطبون به ألسنتهم في حلهم وترحالهم ، وانتجاعهم إلى مواطن الكلأ ، وينابيع المياه ، قد صفت نفوسهم صفاء السماء التي تظلهم مع قوة الشكيمة التي اكتسبوها من وعورة الصحراء ولأوائها ، وقسوة الحياة وغلظتها ، ومع الرضا والقناعة التي اتسمت بها النفس العربية . وأهل المدر وهم سكان القرى كأهل مكة والطائف ويثرب ، وقد كانوا قوما تجرا . من غير أن يخلوا من الشكيمة العربية ، وقد كانت القبائل تجىء إليهم ، أو يلتقون بهم في مواسم الحج وأسواقه التي كانت تعقد لتبادل السلع ، وتبادل الفكر ، والكلم المحكم ، ويكون التبارى بين الشعراء والخطباء . وكانت مكة وما حولها تشبه بعض الحدائق العامة في البلاد الأوربية تلقى فيها الخطب ، ويتبارى فيها المتكلمون ، وحسبك أن تعلم أن قس بن ساعدة الإيادى ألقى خطبته التي ذكر فيها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في عكاظ في موسم الحج . هؤلاء الذين كانت الكلمة البليغة تقع من نفوسهم موقع الموسيقى فتطربهم ، والقصيدة الطويلة فتهزهم ، وكان حداؤهم لإبلهم رجزا ، وتدليلهم لأبنائهم أنماطا من البيان ، هؤلاء هم الذين خاطبهم القرآن فرأوا فيه نوعا من البيان لم يعرفوه من قبل ، فانجذبوا إليه ، وأقروا بتأثيره ، ولم يستطيعوا أن يماروا فيه ، بل خروا صاغرين أمام بلاغته ، معترفين بأنه يسمو على قدرهم ، ويعلو على طاقاتهم ، كفروا بما يدعو إليه ، ولم ينكروا تأثيره ، لاحوا النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في دعوته إلى التوحيد ، وتماروا فيه ، مع بداهته ، ولكنهم لم يستطيعوا أن ينالوا من القرآن ، ولما دبروا وقدروا في أمره ، قالوا : إنه سحر يؤثر . وذلك يتضمن الإقرار باستيلائه على نفوسهم وعلوه على كلامهم وإن كان من نوعه ، وسمو معانيه وإن كانت حروفه في صياغة من حروفهم وكلماتهم .